زبير بن بكار
588
جمهرة نسب قريش وأخبارها
هذه الطريق ؟ فقال : إن فيها ناسا نستحي منهم أن نمرّ عليهم . فقال أبو بكر : أتدعوني إلى طريق يستحيى منها ؟ ما أنا بالذي يصاحبك . فأبى أن يتبعه . 1293 حدثنا الزبير قال : حدثني رجل ، عن عبد الرحمن بن موسى بن عبد اللّه قال : حدثني محمد بن القاسم مولى بني هاشم قال « 1 » : بلغ عائشة أن ناسا يتناولون أبا بكر ، فبعثت إلى أزفلة منهم ، فلما حضروا ، أسدلت أستارها ثم دنت ، فحمدت اللّه وأثنت عليه ، وصلّت على نبيّها صلّى اللّه عليه ، وعذلت وقرعت قالت : أبي ، وما أبيه ! أبي واللّه لا تعطوه الأيدي ، ذلك طود نييف ، وفرع مديد . هيهات ! كذبت الظنون ، أنجح واللّه إذ أكديتم ، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد ، فتى قريش ناشئا ، وكهفها كهلا ، يفكّ عانيها ، ويريش مملقها ، ويرأب شعبها ، حتى حلته قلوبها ، ثم استشرى في دينه ، فما برحت شكيمته في ذات اللّه حتى اتّخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون ، وكان رحمة اللّه عليه غزير الدمعة ، وقيد الجوارح ، شجيّ النشيج ، فانقصف إليه نسوان مكّة وولدانها يسخرون منه ، ويستهزءون به : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فأكبرت ذلك رجالات قريش ، فحنت له قسيّها ، وفوّقت « 2 » له سهامها ، وامتثلوه غرضا ، فما فلّوا له صفاة ، ولا قصفوا له قناة ، ومرّ على / ( 218 ) سيسائه . حتى إذا ضرب الدين بجرانه ، وألقى بركه ، وأرست أوتاده ، ودخل الناس فيه أفواجا ، ومن كل فرقة أشتاتا وأرسالا ، اختار اللّه عزّ وجلّ لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ما عنده . فلما قبض اللّه نبيّه ، نصب الشيطان رواقه ، ومدّ طنبه ، ونصب حبائله ، وأجلب بخيله ورجله ، فظنّ رجال أن قد تحقّقت أطماعهم ، ولات حين التي يرجون ! وأنّى والصدّيق بين أظهرهم ؟ فقام حاسرا مشمّرا ، فجمع حاشيته ، فردّ نشر الإسلام
--> ( 1 ) في هامش المخطوطة : ( انظر « مجلة المجمع العلمي بدمشق » م 37 ص 417 ) . ( 2 ) ( فوّقت : جعلت له فوقا ، وهو موضع الوتر ، ويجمع أفواق وفوقات ) - ( عباس ) .